فخر الدين الرازي

268

الأربعين في أصول الدين

فثبت بما ذكرنا : أن من نفى الرؤية بالوجه الّذي ذكرناه ، لا بد أن يعول في نفيها على الدليل ، لا على ادعاء الضرورة . وانما قدمنا هذه المقدمة ، لأن هؤلاء المعتزلة في أول الأمر يلتزمون الاستدلال ، وفي آخر الأمر عند العجز عن تمشية الدليل ، كأنهم يسرعون في ادعاء الضرورة . فقدمنا هذه المقدمة ، صونا للكلام عن هذا الخبط . الفصل الثاني في حكاية ما قيل في هذه المسألة من الدلائل العقلية ، وذكر المباحث فيها اعلم : أن جمهور الأصحاب عولوا في اثبات أنه تعالى يصح أن يرى على دليل الوجود . وأما نحن فعاجزون عن تمشيه ، ونحن نذكر ذلك الدليل ، ثم نوجه عليه ما عندنا من الاعتراضات . قالوا : ثبت أن الجوهر يصح أن يرى ، واللون يصح أن يرى ، والجواهر والألوان تشتركان في صحة الرؤية . وهذه الصحة حكم حادث ، فلا بد لها من علة . والحكم المشترك يجب تعليله بعلة مشتركة ، لامتناع تعليل الأحكام المتساوية بالعلل المختلفة . والمشترك بين الجواهر والأعراض ، اما الحدوث واما الوجود . لا جائز أن تكون علة هذه الصحة ، هي الحدوث . لأن الحدوث عبارة عن وجود حاصل ، وعدم سابق . والعدم لا يجوز أن يكون جزءا من المقتضى . وإذا سقط العدم عن درجة الاعتبار ، لم يبق الا الوجود ، والوجود مشترك فيه بين الشاهد والغائب ، فاذن وجود اللّه تعالى علة صالحة لصحة رؤيته . وإذا حصلت العلة ، حصل الحكم لا محالة . فوجب القول بصحة رؤيته . هذا حاصل الكلام في هذا الباب .